السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

81

مفاتيح الأصول

كما لا يخفى انتهى وأما الرابع فلوهنه باشتهار القول بأن الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز بين الأصوليين ومنهم مدعي الإجماع عليه كما تقدم إليه الإشارة ومع ذلك فقد صار معظم الأصوليين إلى ترجيح المجاز حيث يدور الأمر بينه وبين الاشتراك ولو كان الأصل في الاستعمال الحقيقة مطلقا مجمعا عليه بينهم أو بين أهل اللغة لما صح ذلك منهم ولوجب ترجيح الاشتراك وهو باطل وأما استدلال ابن عبّاس والأصمعي فليس فيه دلالة على مدعى الخصم كما أشار إليه في الإيضاح هذا وقد يمنع من حجية الإجماع هنا سلمنا ولكن غاية ما يستفاد مما ذكره العلامة والشواهد التي ذكرت لصحّة دعواه كون الأصل في الاستعمال الحقيقة في الجملة لا مطلقا كما لا يخفى وأما الخامس فلأن مجرد توقف الشيء على أمور لا يوجب مرجوحيّته بالنسبة إلى ما لا يتوقف عليها إذ ذلك ليس أمارة ظنيّة حتى يجعل حجّة باعتبار أصالة حجيّة كلّ ظنّ إن قيل بها وما ليس بأمارة ظنّية لم يقم دليل على حجيّته بل العمومات المانعة عن العمل بغير العلم تمنع من حجّيته وأما السّادس فللمنع من أغلبيّة الحقيقة كما تقدم إليه الإشارة سلمنا ولكن غاية ما يلزم من هذه الحجة ترجيح كون الأصل في الاستعمال الحقيقة في الجملة لا مطلقا حتى في صورة لزوم الاشتراك كما لا يخفى وينبغي التنبيه على أمور الأوّل إذا استعمل اللفظ في معنيين وشك في كونه حقيقة فيهما معا أو في أحدهما فلا إشكال في أنه لا يجوز التمسّك حينئذ بأن الأصل في الاستعمال الحقيقة لترجيح الاحتمال الأول لدوران الأمر حينئذ بين المجاز والاشتراك والحق عندنا أن المجاز أولى منه ولم نجد دليلا يعتمد عليه على أن الأصل في الاستعمال الحقيقة هنا ولو سلمنا قيام دليل على أن الأصل في الاستعمال الحقيقة مطلقا فينبغي تخصيصه هنا لأن ما دل على ترجيح المجاز هنا أقوى منه لأنه خاص وذلك عام والخاص أقوى من العام نعم لو فرض وجود معارض لما دل على ترجيح المجاز يقاومه ولا يزيد عليه وجب الرّجوع إلى الأصل المذكور حينئذ ولكن ثبوت الأصل المذكور على وجه العموم غير معلوم بل ينبغي حينئذ الرجوع إلى الأمارات الآخر أو إلى الأصول العقلية الثاني إذا استعمل لفظ في معنى وشك في كونه معنى حقيقيا أو مجازيّا وعلم بعد استعماله في غيره أو يكون غيره المستعمل فيه من المعاني المجازية فلا إشكال في لزوم الحكم بكون ذلك المعنى المشكوك فيه معنى حقيقيا وقد صار إلى هذا والدي العلَّامة والسيّد الأستاذ رحمه الله ولهما وجوه الأوّل أنه لو لم يكن اللفظ حقيقة في المعنى المفروض لكان مجازا إذ لا واسطة بينهما لأن الاستعمال الصحيح كما هو الفرض هنا لا يخلو عن أحدهما اتفاقا والتالي باطل لأنه لو كان مجازا لكان مجازا لا حقيقة له لأن الفرض أنه لم يستعمل في غير هذا المعنى لو استعمل وكان مجازا والحقيقة لا بد فيها من الاستعمال ولا يكفي فيها مجرّد الوضع والتالي باطل لأن المجاز الَّذي لا حقيقة له إمّا ممتنع كما عن السّيّد المرتضى والأكثر أو جائز غير واقع كما عن بعض أو جائز وواقع لكنه نادر وعلى التقادير يثبت المطلوب أمّا على الأولين فظاهر وأما على الثالث فلأن المشتبه لا يحمل على الفرد النّادر بل على الغالب فتعيّن أن يكون حقيقة في ذلك لا يقال لا نسلَّم ندرة المجاز بلا حقيقة بل هو كثير ومنه قامت الحرب على ساق وشابت لمة الليل ونحو ذلك ممّا لا يحصى سلمنا ولكن كما أن ذلك نادر كذلك استعمال اللفظ في معنى واحد مع الشك في كونه حقيقة نادر فيجوز أن يكون هذا النادر من ذلك النّادر سلمنا ولكن غاية ما يستفاد من الغلبة الظن ولا نسلَّم حجيّته لأنا نقول عدم تسليم ندرة ذلك ممّا لا وجه له قطعا ولا نسلَّم أن ما ذكر من الأمثلة من هذا القبيل كما أشار إليه السيّد الأستاذ رحمه الله قولكم سلَّمنا ولكن كما أن ذلك نادر إلى آخره قلنا هذا باطل لأنّ محلّ البحث ليس مقصورا على ما فرض بل منه أيضا قسم آخر أشرنا إليه سابقا وليس هذا نادرا وإذا وجب الحكم بأن المعنى المشكوك فيه معنى حقيقي هنا وجب الحكم بذلك فيما فرض لعدم القائل بالفصل على الظاهر على أن الظنّ من ندرة المجاز بلا حقيقة أقوى كما لا يخفى قولكم لا نسلَّم حجية الظن قلنا هو ممنوع بل التحقيق أنه حجّة الثاني ظهور كلام السيّد المرتضى وابن زهرة والسيّد الأستاذ رحمهم اللَّه في دعوى الاتفاق على أن الأصل في الاستعمال الحقيقة في محلّ البحث ويعضد هذا ما حكيناه عن العلامة من دعواه الإجماع على أن الأصل في الاستعمال الحقيقة وغيره من الوجوه المتقدمة الَّتي ذكرت لتأسيس الأصل المزبور ولا يعارض ذلك ما ذكرناه في مقام المناقشة فيما ادعاه العلامة من الإجماع لاحتمال اختصاصه بغير محلّ الخلاف كما أشار إليه السيّد الأستاذ رحمه الله الثالث ما ادعاه بعض فقال إن ظاهر استعمال اللَّفظ في المعنى الواحد أنه حقيقة فيه فإن المشاهد من أحوال الناس والمعروف عن عاداتهم أنهم متى وجدوا اللَّفظ يطلق في اللَّغة على معنى واحد لا يستعمل في غيره اعتقدوا أنه موضوع له معين بإزائه لا يشكون في ذلك ولا يرتابون فيه بل الظاهر أنهم يعتقدون وضع اللَّفظ للمعنى لوجدانه في اللَّغة مستعملا فيه وإن عرض لهم التّردد في ذلك بعد ظهور التعدد فإن تعريف اللَّغات بطريق النّص غير معهود بين أهل اللَّغة وإنما تعرف اللَّغات باستعمال أربابها وبواسطة الترديد بالقرائن كما في تعليم الأطفال ولذا ترى أن من لم يعرف اللَّغة متى رأى أهل اللَّغة